أحمد بن محمود السيواسي

189

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

قوله ( وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ) بفتح الياء وضم الغين ، أي يخون وبضم الياء وفتح الغين « 1 » ، أي ينسب إلى الخيانة ، نزل حين فقدت قطيفة حمراء يوم بدر ، فقال المنافقين : لعل رسول اللّه أخذها « 2 » ، وروي : « أنه عليه السّلام بعث طلائع لحقيقة أمر العدو فغنمت غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع وسمي حرمان بعض الغزاة غلولا تغليظا وتقبيحا لصورة الأمر » « 3 » ، وفيه نهي للنبي « 4 » على السّلام عن الغلول على سبيل المبالغة ، أي ما صح لنبي أن يخون فيعطي قوما ويمنع آخرين ، بل عليه أن يقسم على السوية أو ما جاز أن يخون في الغنيمة فيأخذها لأجله ولا يقسم لهم ( وَمَنْ يَغْلُلْ ) أي يخن في الغنيمة ( يَأْتِ بِما غَلَّ ) أي بالشيء الذي غله بعينه يحمله على ظهره ( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) قال عليه السّلام : « ألا لأعرفن أحدكم يوم القيامة يأتي ببعير له رغاء وببقرة لها خوار وبشاة لها ثغاء ، فيقول : يا محمد ، فأقول له : لا أملك لك من اللّه شيئا فقد بلغتك » « 5 » ، ويجوز أن يكون المعنى : يأت بوباله على عنقه كقوله « يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ » « 6 » ( ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ) أي تجازى ( ما كَسَبَتْ ) أي ما « 7 » عملت من خير وشر ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) [ 161 ] أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم ولا يزاد جزاؤهم فوق آثامهم ، لأنه عادل بينهم في الجزاء ، وإنما لم يقل « ثم يوفى » بالتذكير ليرجع الضمير فيه إلى « من » ، لأنه جاء بعام دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره ، فاتصل به من حيث المعنى ، وهو أبلغ وأثبت في الزجر عن الغلول . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 162 ] أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 162 ) ثم قال بهمزة الاستفهام لإنكار التسوية بين الأمين الصالح والخائن الفاسق ( أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ) وأخذ الحلال من الغنيمة ( كَمَنْ باءَ ) أي رجع واستوجب ( بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ) بسبب الغلول من الغنائم ، ثم بين مستقر كل منها فقال ( وَمَأْواهُ ) أي مقام من غل من الغنيمة ( جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) [ 162 ] أي الموضع الذي صار إليه النار . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 163 ] هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 163 ) ( هُمْ دَرَجاتٌ ) أي الذين اتبعوا رضا اللّه ولم يغلوا من الغنائم ذوو طبقات « 8 » ( عِنْدَ اللَّهِ ) في الفضل ، فبعضهم يكون أرفع من بعض أو لهم درجات في الجنة ( وَاللَّهُ بَصِيرٌ ) أي عالم ( بِما يَعْمَلُونَ ) [ 163 ] من الغلول وعدم الغلول ، فيجازيهم على حسب أعمالهم بالدركات والدرجات . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 164 ] لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 164 ) ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) أي أنعم على من آمن مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من قومه ، وخصهم بالذكر ، لأنهم هم المنتفعون بمبعثه ( إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) أي من جنسهم عربيا ليفهموا عنه كلامه ، ففيه منة عليهم لأخذ ما يجب عليهم أخذه عنه بعد علمهم أحواله في الصدق والأمانة ( يَتْلُوا ) أي يقرأ ( عَلَيْهِمْ آياتِهِ ) بالبيان ليعلموا به الحلال والحرام ( وَيُزَكِّيهِمْ ) أي ويطهرهم من الشرك والذنوب بالأمر بشهادة « 9 » أن « لا إله إلا اللّه » ( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ ) أي القرآن ( وَالْحِكْمَةَ ) أي المواعظ للعلم والعمل ( وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ ) أي وإن الشأن

--> ( 1 ) « يغل » : قرأ المكي والبصري وعاصم بفتح الياء وضم الغين والباقون بضم الياء وفتح الغين . البدور الزهرة ، 72 . ( 2 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 1 / 574 ؛ والواحدي ، 107 . ( 3 ) عن الضحاك ، انظر الواحدي ، 108 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 1 / 574 . ( 4 ) للنبي ، ب س : لنبي ، م . ( 5 ) رواه البخاري ، الجهاد ، 189 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 1 / 210 . ( 6 ) الأنعام ( 6 ) ، 31 . ( 7 ) ما ، س م : - ب . ( 8 ) ذوو طبقات ، ب : ذو طبقات ، س م ؛ وانظر أيضا ، السمرقندي ، 1 / 312 ؛ والبغوي ، 1 / 576 . ( 9 ) بشهادة ، ب م : بالشهادة ، س .